أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
531
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأنشد سيبويه : 942 - فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيّام من عجب « 1 » فكثرة ورود هذا وتصرّفهم في حروف العطف ، فجاؤوا تارة بالواو ، وأخرى ب « لا » ، وأخرى ب « أم » ، وأخرى ب « بل » دليل على جوازه . وأمّا ضعف الدليل : فهو أنهم منعوا ذلك لأنّ الضمير كالتنوين ، فكما لا يعطف على التنوين لا يعطف عليه إلا بإعادة الجار . ووجه ضعفه أنه كان بمقتضى هذه العلة ألّا يعطف على الضمير مطلقا ، أعني سواء كان مرفوع الموضع أو منصوبه أو مجروره ، وسواء أعيد معه الخافض أم لا كالتنوين . وأمّا القياس فلأنه تابع من التوابع الخمسة فكما يؤكّد الضمير المجرور ويبدل منه فكذلك يعطف عليه . الثالث : أن يكون معطوفا على « الشهر الحرام » أي : يسألونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام . قال أبو البقاء : « وضعف هذا بأنّ القوم لم يسألوا عن المسجد الحرام إذ لم يشكّوا في تعظيمه ، وإنما سألوا عن القتال في الشهر الحرام لأنه وقع منهم ، ولم يشعروا بدخوله فخافوا من الإثم ، وكان المشركون عيّروهم بذلك « ولا يظهر ضعفه بذلك لأنه على هذا التخريج يكون سؤالهم عن شيئين ، أحدهما القتال في الشهر الحرام . والثاني : القتال في المسجد الحرام ، لأنهم لم يسألوا عن ذات الشهر ولا عن ذات المسجد ، إنما سألوا عن القتال فيهما كما ذكرتم ، فأجيبوا بأنّ القتال في الشهر الحرام كبير وصدّ عن سبيل اللّه تعالى ، فيكون « قتال » أخبر عنه بأنه كبير ، وبأنه صدّ عن سبيل اللّه ، وأجيبوا بأنّ القتال في المسجد الحرام وإخراج أهله أكبر من القتال فيه . وفي الجملة فعطفه على الشهر الحرام متكلّف جدا يبعد عنه نظم القرآن والتركيب الفصيح . الرابع : أن يتعلّق بفعل محذوف دلّ عليه المصدر تقديره : ويصدّون عن المسجد ، كما قال تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 2 » قاله أبو البقاء ، وجعله جيدا . وهذا غير جيد لأنه يلزم منه حذف حرف الجر وإبقاء عمله ، ولا يجوز ذلك إلا في صور ليس هذا منها ، على خلاف في بعضها ، ونصّ النحويون على أنّه ضرورة كقوله : 943 - إذا قيل : أيّ النّاس شرّ قبيلة * أشارت كليب بالأكفّ الأصابع « 3 » أي : إلى كليب فهذه أربعة أوجه ، أجودها الثاني . وأمّا رفعه فوجهه أنه عطف على « وكفر به » على حذف مضاف تقديره « وكفر بالمسجد » فحذفت الباء وأضيف « كفر » إلى المسجد ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولا يخفى ما فيه من التكلّف ، إلا أنه لا تخرّج هذه القراءة الشاذة بأكثر من ذلك . قوله : وَإِخْراجُ أَهْلِهِ عطف على « كفر » أو « صد » على حسب الخلاف المتقدّم ، وهو مصدر حذف فاعله ، وأضيف إلى مفعوله ، تقديره : « وإخراجكم أهله » . والضمير في « أهله » و « منه » عائد على المسجد
--> - جليل . والجأب : الغليظ . والحشور : المنتفخ الجنبين . شبه نفسه به في الصلابة والشدة . ( 1 ) البيت من شواهد الكتاب ( 1 / 392 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 78 ) ، الخزانة ( 2 / 238 ) ، ابن عقيل ( 3 / 54 ) ، الهمع ( 1 / 120 ) ، الدرر ( 1 / 190 ) . ( 2 ) سورة الفتح ، آية ( 25 ) . ( 3 ) تقدم .